الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
265
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ينتفعوا ، فإن ذلك يتعلق بهم أنفسهم ، ولا يخدش في عمومية الرحمة . وهذا يشبه تماما أن يؤسس جماعة مستشفى مجهزة لعلاج كل الأمراض ، وفيها الأطباء المهرة ، وأنواع الأدوية ، ويفتحوا أبوابها بوجه كل الناس بدون تمييز ، أليست هذه المستشفى رحمة لكل أفراد المجتمع ؟ فإذا امتنع بعض المرضى العنودين من قبول هذا الفيض العام ، فسوف لا يؤثر في كون تلك المستشفى عامة . وبتعبير آخر فإن كون وجود النبي رحمة للعالمين له صفة المقتضى وفاعلية الفاعل ، ومن المسلم أن فعلية النتيجة لها علاقة بقابلية القابل . إن التعبير ب " العالمين " له إطار واسع يشمل كل البشر وعلى امتداد الأعصار والقرون ، ولهذا يعتبرون هذه الآية إشارة إلى خاتمية نبي الإسلام ، لأن وجوده رحمة وإمام وقدوة لكل الناس إلى نهاية الدنيا ، حتى أن هذه الرحمة تشمل الملائكة أيضا : ففي حديث شريف مروي عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يؤيد هذه العمومية ، إذ نلاحظ فيه إن هذه الآية لما نزلت سأل النبي جبرئيل فقال : " هل أصابك من هذه الرحمة شئ ؟ " فقال جبريل : " نعم إني كنت أخشى عاقبة الأمر ، فآمنت بك لما أثنى الله علي بقوله : عند ذي العرش مكين " ( 1 ) . وعلى كل حال ، ففي دنيا اليوم حيث ينتشر الفساد والظلم والاستبداد في كل جانب ، ونيران الحروب مستعرة في كل جهة ، وأخذت قبضات الجبارين العتاة بأنفاس المستضعفين المظلومين . . في الدنيا الغارقة في الجهل وفساد الأخلاق والخيانة والظلم والجور . . أجل في مثل هذه الدنيا سيتضح أكثر فأكثر معنى كون النبي رحمة للعالمين ، وأي رحمة أسمى من أنه أتى بدين إذا عمل به فإنه يعني نهاية كل المآسي والنكبات والأيام السوداء ؟
--> 1 - مجمع البيان ، ذيل الآية محل البحث .